الشيخ محمد النهاوندي

212

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إنّ المعنى تبوّءوا المدينة ، وأخلصوا الايمان من قبل هجرتهم « 1 » . وقيل : إنّ المراد من الايمان هو المدينة ، لظهور الايمان وقوّته فيها « 2 » . وهم يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ من المؤمنين ، لمحبّتهم الايمان باللّه وبرسوله وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ ولا يدركون في أنفسهم حاجَةً وإقبالا إلى شيء مِمَّا أُوتُوا وأعطوا أولئك المهاجرون من الفيء وَيُؤْثِرُونَ ويقدّمون المهاجرين عَلى أَنْفُسِهِمْ في الفيء وغيره ممّا يرتبط بالمعاش جودا وحبّا لهم وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وشدّة حاجة . عن ابن عباس : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله قال للأنصار : « إن شئتم قسمتم للمهاجرين من دوركم وأموالكم ، وقسمت لكم من الغنيمة كما قسمت لهم ، وإن شئتم كان لهم الغنيمة ولكم دياركم وأموالكم » فقالوا : لا ، بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ، ولا نشاركهم في الغنيمة ، فنزلت الآية « 3 » . قيل : إن من كان له امرأتان يفارق إحداهما ويزوّجها واحدا منهم « 4 » . في إيثار المؤمنين إخوانهم على أنفسهم أقول : كان الايثار من صفات الكاملين في الايمان ، فانّ المؤمن الحقيقي يؤثر أخاه المؤمن على نفسه . عن ( الأمالي ) : أنّه جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله رجل فشكا إليه الجوع ، فبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى بيوت أزواجه ، فقلن : ما عندنا إلّا الماء ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « من لهذا الرجل الليلة ؟ » فقال علي بن أبي طالب عليه السّلام : « أنا له يا رسول اللّه » فأتى فاطمة عليه السّلام وقال لها : « ما عندك يا ابنة رسول اللّه ؟ » فقالت : « ما عندنا إلّا قوت العشيّة « 5 » ، لكنّا نؤثر ضيفنا » . فقال : « يا ابنة رسول اللّه ، نوّمي الصّبية ، وأطفئ المصباح » فلمّا أصبح غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فأخبره الخبر ، فلم يبرح حتّى أنزل اللّه : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ . . . الآية « 6 » . وعن أنس : أنّه أهدي إلى رجل من الأنصار رأس [ شاة ] وكان مجهودا ، فوجّه به إلى جار له زاعما أنّه أحوج إليه منه ، فوجّه جاره أيضا إلى آخر ، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتّى تداول ذلك الرأس سبعة بيوت إلى أن رجع إلى المجهود الأول « 7 » . وعن حذيفة العدوي ، قال : انطلقت في غزوة أطلب ابن عمّ لي ومعي شيء من الماء قاصدا أنّه إذا كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به فقلت له : أسقيك ؟ فأشار إليّ برأسه أن نعم ، فإذا برجل يقول : آه آه ،

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 287 ، تفسير أبي السعود 8 : 229 ، تفسير روح البيان 9 : 432 . ( 2 ) . تفسير الرازي 29 : 287 . ( 3 ) . تفسير الرازي 29 : 287 . ( 4 ) . تفسير البيضاوي 2 : 481 ، تفسير روح البيان 9 : 433 . ( 5 ) . في المصدر : الصبية . ( 6 ) . أمالي الطوسي : 185 / 309 ، تفسير الصافي 5 : 157 . ( 7 ) . تفسير روح البيان 9 : 433 .